العيني
4
عمدة القاري
قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويسجد بسجدتي الفجر ، فذلك ثلاث عشرة ركعة ) . رواه أبو داود وغيره ، وقال النووي : وهو مذهبنا ومذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : لا يصح الإيتار بواحدة ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط ، والأحاديث الصحيحة ترد عليه قلت : معناه يوتر بسجدة أي : بركعة وركعتين قبله فيصير وتره ثلاثا ونفله ثمانيا ، والركعتان للفجر ، ولأبي حنيفة أيضا أحاديث صحيحة ترد عليه . منها : ما رواه النسائي في ( سننه ) بإسناده إلى عائشة ، قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر ) ، ومنها : ما رواه في ( مستدركه ) بإسناده إلى عائشة ، قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلم إلاّ في آخرهن ) . وقال : إنه صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه . ومنها : ما رواه الدارقطني . ثم البيهقي عن يحيى بن زكريا عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن ابن يزيد النخعي عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب ) . فإن قلت : قال الدارقطني : لم يروه عن الأعمش مرفوعا غير يحيى بن زكريا وهو ضعيف ، وقال البيهقي : ورواه الثوري وعبد الله بن نمير وغيرهما عن الأعمش فوقفوه . قلت : لا يضرنا كونه موقوفا على ما عرف ، مع أن الدارقطني أخرج عن عائشة أيضا نحوه مرفوعا . وأخرج النسائي من حديث ابن عمر ، قال : حدثنا قتيبة عن الفضيل بن عياض عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ابن عمر ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( صلاة المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل ) . وهذا السند على شرط الشيخين . وروى الطحاوي : حدثنا روح بن الفرج حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة ( عن عقبة بن مسلم ، قال : سألت عبد الله بن عمر عن الوتر ، فقال : أتعرف وتر النهار ؟ فقلت : نعم صلاة المغرب ، قال : صدقت وأحسنت ) . وقال الطحاوي : وعليه يحمل حديث ابن عمر ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل ) إلى آخر حديث الباب ، قال : معناه : صل ركعة في ثنتين قبلها وتتفق بذلك الأخبار . حدثنا أبو بكرة حدثنا أبو داود حدثنا أبو خالد : سألت أبا العالية عن الوتر . فقال : علمنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوتر مثل صلاة المغرب ، هذا وتر الليل ، وهذا وتر النهار . وروى الطحاوي عن أنس قال : الوتر ثلاث ركعات . وروى أيضا عن المسور بن مخرمة ، قال : دفنا أبا بكر ليلاً فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : إني لم أوتر ، فقام وصففنا وراءه فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلاّ في آخرهن . وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا حفص بن عمر عن الحسن ، قال : أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاثة لا يسلم إلاّ في آخرهن . وقال الكرخي : أجمع المسلمون . . . إلى آخره ، نحوه ، ثم قال : وأوتر سعد بن أبي وقاص بركعة فأنكر عليه ابن مسعود ، وقال : ما هذه البتيراء التي لا نعرفها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وعن عبد الله بن قيس ، قال : ( قلت لعائشة : بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ؟ قالت : كان يوتر بأربع وثلاث ، وست وثلاث وثمان وثلاث ، وعشر وثلاث ، ولم يكن يوتر بأقل من سبع ولا بأكثر من عشرة ) . رواه أبو داود ، فقد نصت على الوتر بثلاثة ولم تذكر الوتر بواحدة ، فدل على أنه لا اعتبار للركعة البتيراء . وقال النووي : وقال أصحابنا : لم يقل أحد من العلماء : إن الركعة الواحدة لا يصح الإيتار بها إلاّ أبو حنيفة والثوري ومن تابعهما قلت : عجبا للنووي كيف ينقل هذا النقل الخطأ ولا يرده مع علمه بخطئه ، وقد ذكرنا عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الإيتار بثلاث ، ولا تجزى الركعة الواحدة . وروى الطحاوي : عن عمر بن عبد العزيز أنه أثبت الوتر بالمدينة بقول الفقهاء : ثلاث لا يسلم إلاّ في آخرهن ، واتفاق الفقهاء بالمدينة على اشتراط الثلاث بتسليمة واحدة يبين لك خطأ نقل الناقل اختصاص ذلك بأبي حنيفة والثوري وأصحابهما . فإن قلت : ما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة ؟ ) قلت : معناه متصلة بما قبلها ، ولذلك قال : ( توتر لك ما قبلها ) ، ومن يقتصر على ركعة واحدة كيف توتر له ما قبلها وليس قبلها شيء ؟ فإن قلت : روي أنه قال : ( من شاء أوتر بركعة ، ومن شاء أوتر بثلاث أو بخمس ) قلت : هو هو محمول على أنه كان قبل استقرارها ، لأن الصلاة المستقرة لا يخير في أعداد ركعاتها ، وكذا قول عائشة : ( كان يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ) ، يعارضه ما روى ابن ماجة عن أم سلمة ، رضي الله تعالى عنها : أنه كان يوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم ولا كلام ، فيحمل على أنه كان قبل استقرار الوتر ، ومما يدل على ما ذهبنا إليه حديث النهي عن البتيراء : أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها . أخرجه ابن عبد البر في ( التمهيد ) عن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البتيراء ، وممن قال : يوتر بثلاث لا يفصل بينهن : عمر وعلى وابن مسعود وحذيفة وأبي بن كعب وابن عباس وأنس وأبو أمامة